أحمد بن محمد القسطلاني
420
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وهو المراد بالحديث ، وهذا الحديث أخرجه النسائي . 52 - باب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ - رضي الله عنه - أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ . وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَرِيبًا مِنْهَا . ( باب السرعة بالجنازة ) بعد الحمل . ( وقال أنس ) رضي الله عنه ، مما وصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، - في كتاب الجنائز له ، وابن أبي شيبة بنحوه ، عن حميد عن أنس أنه سئل عن المشي في الجنازة فقال : ( أنتم مشيعون فامشوا ) كذا للكشميهني ، والأصيلي : بالجمع ، ولغيرهما : وامشِ ، بالواو مع الإفراد ، ولأبي ذر ، والأصيلي ، وابن عساكر : فامش ، بالفاء والإفراد ، والأول أنسب ( بين يديها ، وخلفها ، وعن يمينها ، وعن شمالها ) . قال الزين بن المنير . مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة ، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي ، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه ، لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه ، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فتناسبا . ( وقال غيره ) أي : غير أنس : امش ( قريبًا منها ) أي : من الجنازة ، من أي جهة كان ، لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة ، و : الغير ، المذكور ، قال في الفتح : أظنه عبد الرحمن بن قرط ، بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة ، وهو صحابي ، وكان من أهل الصفة ، ثم ذكر حديثًا عن رويم ، عنه عند سعيد بن منصور ، قال : شهد عبد الرحمن بن قرط جنازة ، فرأى ناسًا تقدّموا ، وآخرين استأخروا ، فأمر بالجنازة فوضعت ، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه ، ثم أمر بها فحملت ، ثم قال : امشوا بين يديها ، وخلفها ، وعن يسارها ، وعن يمينها . وتعقبه العيني : بأن ما ذكره تخمين وحسبان ، ولئن سلمنا أنه هو ذلك الغير ، فلا نسلم أن هذا مناسب لما ذكره الغير ، بل هو بعينه مثل ما قاله أنس ، وفي إيراد المؤلّف لأثر أنس المذكور دليل على اختياره لهذا المذهب ، وهو : التخيير في المشي مع الجنازة . وهو قول الثوري وغيره ، وبه قال : ابن حزم ، لكنه قيده بالماشي لحديث المغيرة بن شعبة المروي في السنن الأربعة ، وصححه ابن حبان والحاكم مرفوعًا : الراكب خلف الجنازة ، والماشي حيث شاء منها . والجمهور أن المشي وكونه أمامها أفضل للاتباع ، رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ولأنه شفيع ، وحق الشفيع أن يتقدم . وأما ما رواه سعيد بن منصور وغيره عن عليّ موقوفًا : المشي خلفها أفضل ، فضعيف ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضل منه بعيدًا بأن لا يراها لكثرة الماشين معها ، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة وفاته كمالها ، ويكره ركوبه في ذهابه معها ، لحديث الترمذي : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى ناسًا ركبانًا مع جنازة ، فقال ألا تستحيون ، إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب . نعم ، إن كان له عذر كمرض ، أو في رجوعه فلا كراهة فيه . 1315 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ » . وبالسند قال : ( حدّثنا عليّ بن عبد الله ) المديني ، قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حفظناه ) أي الحديث الآتي ( من الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ، وللمستملي ، عن الزهري بدل من والأوّل : أولى ، لأنه يقتضي سماعه منه ، بخلاف رواية المستملي . وقد صرّح الحميدي في مسنده بسماع سفيان له من الزهري ( عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( أسرعوا بالجنازة ) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخبب ، لأن ما فوق ذلك يؤدّي إلى انقطاع الضعفاء ، ومشقة الحامل ، فيكره . وهذا إن لم يضره الإسراع ، فإن ضرّه فالتأني أفضل ، فإن خيف عليه تغير أو انفجار أو انتفاخ زيد في الإسراع ( فإن تك ) أي : الجنازة ( صالحة ) نصب خبر كان ( فخير ) أي : فهو خير ، خبر مبتدأ محذوف ( تقدمونها ) زاد العيني كابن حجر : إليه أي : إلى الخير ، باعتبار الثواب ، أو الإكرام الحاصل له في قبره ، فيسرع به ليلقاه قريبًا وفي توضيح ابن مالك : أنه روي : إليها ، بالتأنيث ، وقال : أنث الضمير الزائد على الخير . وهو مذكر ، وكان ينبغي أن يقول : فخير تقدّمونها إليه ، لكن المذكر يجوز تأنيثه إذا أوّل بمؤنث كتأويل الخير الذي تقدم إليه النفس الصالحة بالرحمة أو بالحسنى أو بالبشرى ، والجار والمجرور مذكرًا ومؤنثًا ساقط من الفرع كأصله ( وإن تك ) الجنازة ( سوى ذلك )